ميشيل كيلو يكتب: أسئلة حول اتفاق احتيالي

كومله -

يبدو أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يرسم سياساته بوحي من مسرح العبث، وإلا لما تجرأ وحاول إقناع الذين فاوضهم في أستانة من السوريين أن دولته ستضمن "خفض العنف” في أربع مناطق سورية، بعد ثلاثة قرارات دولية وأستانية أقرّت وقف إطلاق نار شامل في عموم سورية، بضمانته هو وإيران وتركيا. بعد وقف إطلاق النار يأتي اليوم خفض العنف، فأيهما يُفضي أكثر من سواه إلى الحل: استخدام العنف المخفض أم وقف إطلاق النار الشامل؟ لا نريد جواباً، فاللعب الروسي صارخ الوضوح، والكذب علينا، والتلاعب بعقولنا من شيم موسكو وكذبتها المغفلين. والآن: هل أفشلت روسيا ثلاثة قرارات حول وقف إطلاق نار شامل لتمنّ علينا بخفض العنف، بعنفٍ من نمط جديد، لن يكون شديداً بل مخفضاً، سيفتح أبواب الحل السياسي التي قيل، ثلاث مرات متتالية، إن وقف إطلاق النار سيكون البوابة التي ستأخذنا إليه حتماً، لكنه لم يكن هناك وقف إطلاق نار بعد أي اتفاق، ليكون بوابة حل سياسي مزعوم!
 ماذا يريد الروس من هذه الخزعبلات التي لن توقف حرباً أو تحمي سورية؟ هل يريدون "خفض العنف” في مناطق الاتفاق الأربع التي لا تمثل عشر مساحة سورية، لكي يتخلوا عن التزاماتهم المتكرّرة بوقف إطلاق النار الشامل في عموم سورية؟ أم أنهم سيخفضون العنف في هذه المناطق، ليطلقوا له العنان ضد مناطق سورية الأخرى، كما تخبرنا معارك اليوم التالي لتطبيق الاتفاق التي استخدم النظام خلالها قواتٍ كانت تحاصر المناطق الأربع، بعد أن تولى الروس والإيرانيون احتجاز قوات المقاومة داخلها، كي لا تساعد من يتعرّضون لعنف الروس والإيرانيين والنظام في بقية الجغرافيا السورية؟
 هل سيخفض العنف حقاً داخل المناطق الأربع؟ يسمح الاتفاق للروس والإيرانيين والأتراك بمواصلة القتال ضد "داعش” وجبهة النصرة، فهل ستحجم قواتهم عن قتال التنظيمين داخل مناطق خفض العنف، أم سيقاتلونهما داخلها؟ إذا أحجموا، خالفوا الاتفاق وبقي الإرهاب، وإذا قاتلوا تخلوا عن التزامهم بممارسة عنفٍ مخفض، كي لا يفشلوا في كسر شوكة "النصرة”، المسيطرة على معظم محافظة إدلب، بحجمها الذي يمثل أكثر من نصف المناطق الأربع! كيف يفكر الروس؟ وهل يعتقدون أنهم يلعبون لعبةً ذكيةً يتابعها أغبياء لا يفهمون ما تراه أعينهم؟ إنهم يعلنون تصميمهم على القضاء على "النصرة”، فهل سيقف النظام جانباً أم سيشارك في القضاء عليها؟ وفي حال شارك، هل يضمن الروس أنه لن يقصف المدنيين ومقاتلي الفصائل "المعتدلة”؟ وإذا كان الروس والإيرانيون سيقاتلون بدورهم، هل سيقاتلون الإرهابيين وحدهم هذه المرة، أم سيكرّرون تجربة سبتمبر/ أيلول 2015، سبتمبر/ أيلول 2016 التي لم يقصفوا خلالها داعشياً، وصبوا جحيم قنابلهم وصواريخهم على الجيش الحر، كما يفعلون اليوم أيضاً في حماة وريفها، حيث يقاتل النظام، بمشاركة طيرانهم ومستشاريهم جيشي العزة والنصر: ركني الجيش الحر في المحافظة؟
 هل صحيح ما يقوله الروس حول اتفاق أستانة، باعتباره ثغرةً في جدار الحرب، تطل على السلام، أم هو نقلة خاصة في سياسات الهدن التي اعتمدوها خلال حربهم ضد السوريين، ليطبقوا عبرها برنامجاً سلميّ المظهر، خفض العنف في المناطق التي احتواها. وفي المقابل، صعّده كثيراً في غيرها، ضد المدنيين والجيش الحر طبعاً.
 هل من الخطأ القول إن بين أهداف اتفاق "خفض العنف” قطع الطريق على مشروع إقامة "مناطق مستقرة” الذي أعلنت عنه واشنطن، وقالت إن مناطقه لن تعيش على "عنفٍ مخفض” يمكن أن تحوله ألاعيب ورسيا وإيران والنظام في أي وقت إلى اقتتال بالغ العنف بين الفصائل، تعرف موسكو أن نشوبه سيحول بين السوريين والعودة إلى بيوتهم في المناطق الأربع، خصوصاً بعد بدء الحرب ضد "النصرة” التي ستكون أشد عنفاً وضرواةً من أي حربٍ سبق لهم أن شاهدوها.
 أخيراً: هل سيلتزم الاحتلالان، الروسي والإيراني، بما تعهدا أمس بضمانته؟ وكم مرة أعلنا نهائية وقطعية وقف إطلاق النار الذي توصلا إليه في مفاوضات أستانة، وضمنا امتناع النظام وقواتهما عن خرقه، ثم كم غارة جوية وهجمة برية شن جيشاهما على عزل سورية خلال وقف إطلاق النار المضمون، وهل عرفت الحرب قبله حدثاً أشد سوءاً من قصف خان شيخون بالكيميائي الذي وقع خلاله: بضمانتهما؟ أليس من غرائب مسرح العبث البوتيني أن يجعل الاتفاق مدخلاً إلى حل سياسي دولي، لم تتوقف ديبلوماسيته عن إحباطه واختلاق بدائل له، حولته إلى أداة مزّقت صفوف السوريين، واخترقتهم وأشعلت الفتن بينهم! أخيراً، هل يصدّق عاقل أن الكرملين قرّر "خفض العنف” ضد من يريدون إسقاط شخصٍ غزا جيشُه بلادهم لإنقاذه منهم، هو ملا دمشق الطائفي: بشار الأسد.
 إذا كانت موسكو جادّة حقاً في بدء مرحلة جديدة من سياساتها السورية، فلتعد إلى وقف إطلاق النار الشامل، ولتلتزم وتلزم إيران والأسد به، ولتتفاهم مع واشنطن على تطبيق وثيقة جنيف والقرارات الدولية التي تفسره، عندها لن تكون بحاجةٍ إلى ألاعيب سخيفة، وستفتح باب الحل السياسي الذي طال شوق السوريين إليه، وليس لقتالهم وحراكهم السلمي أي هدف آخر غير تحقيقه.


عدد القراءات‌‌ 116

AM:12:42:10/05/2017


الاكثر مشاهدة