إيران ما بين الواقع والأمنيات

الكتابة عن إيران تختلط فيها الأمنيات بالوقائع، فنظام ولاية الفقيه لم يترك له صديقا في العالم العربي، وهو حرص على بناء هلاله الشيعي على حساب كل العرب، وكل الكرد، وكل الشعوب الإيرانية الغير فارسية، ونسبة لا بأس بها من الفرس تعارض النظام، الا أنها تتمسك به خوفا على مستقبلها، في بحر واسع من المعادين لهم. عمل نظام ولاية الفقيه على بناء  هلاله حيث إستطاع رغما عن كل من ذكرتهم فنجح بتحقيق الكثير من الخطوات في ظل تردد الآخرين بخوض مواجهة حقيقية معه.

 أي حراك شعبي في إيران يرتقي في أمنياتنا الى أن يكون ثورة على النظام، وأن يصبح إسقاط النظام من شدة ظلمه لنا وكرهنا له قاب قوسين. ليت كل الأمنيات تتحقق لدفعت عمري ثمنا لأمنية إسقاط نظام ولاية الفقيه.

بالوقائع هناك حراك نابع عن تذمر الشعب الإيراني، ورفضه للجوع والفقر، فالأرقام حول العيش تحت مستوى خط الفقر تتراوح فيما بين مصادر من يريد تضخيم الأمور في إيران ب 18,000,000مواطن، ومصادر الحكم الإيراني التي تعترف ب 11,000,000مواطن يعيشون تحت مستوى خط الفقر، من مجمل عدد الشعب الإيراني البالغ 80,000,000 أي ما يتراوح فيما بين 13% و 22% وهي نسب ليست قليلة لدولة تنتج يوميا 3,693,000 برميل نفط يوميا، ومدخولها السنوي من النفط حوالي 36 مليار دولار أمريكي. بعيدا عن إسقاط النظام من عدمه، يبدو أن الصراع على أوجه بين أركان النظام، فالرئيس روحاني لم يكن موفقأ بميزانيته المقترحة للعام المقبل.  فمشروع الميزانية يظهر أن الإنكماش الإقتصادي سوف يزداد رغم الوعود بإنهاء حالة الإنكماش الإقتصادي. ويبدو مشروع الميزانية المقدم كمرآة لصورة الأوضاع الاقتصادية المظلمة للبلاد، والمشروع يظهر بلا شك أن معظم الضغوطات سوف تقع على كاهل الشعب الذي عليه أن يتحمل معظم أعباء المشاكل الاقتصادية للبلاد من الآن وصاعدا طبقا لمشروع الميزانية. إلا أن حالة الإنكماش الإقتصادي يبدو أنها ستكون حصرا من نصيب الشعب الإيراني وليس النظام وأزلامه، ففي مشروع الميزانية قام روحاني بزيادة ميزانيات الأجهزة الحكومية على حساب زيادة الضرائب على الشعب وحذف الدعم الحكومي عنه، ومما رفع منسوب التخوف من مشروع الميزانية وتأثيراتها السلبية على الوضع عامة في إيران وهو ما صرح به رجل النظام علي لاريجاني الذي قال "إنه من المستبعد أن تستطيع الحكومة الإيرانية تحصيل أكثر من 70% مما تخطط له من مداخيل، لذا فسوف يكون عليها رفع الأسعار والضرائب كي تغطي عجز الميزانية".

يستغل المحافظين الإيرانيين هذا الأمر ليزيدوا الضغط على الحكومة وتصوير حكومة روحاني كفاشلة ولا تستطيع إدارة البلاد، متجاهلين أن مستوى الفساد زاد، وإنهيار الإقتصاد كان نتيجة حكمهم إبان فترة أحمدي نجاد. الإصلاحيون بالمقابل يتخوفون من أن تؤدي هذه السياسة الإقتصادية إلى غضب شعبي ممكن أن يؤدي إلى خسارتهم الانتخابات النيابية بعد حوالي عام ونصف أو رئاسة الجمهورية المقبلة بعد حوالي ثلاثة أعوام ونصف بسبب دعمهم الرئيس روحاني. الحكاية بأصلها ليست ثورة هي حكاية شعب ينحدر نحو الجوع بسرعة هائلة في بلد منتج للنفط تتحكم بثرواته مجموعة محدودة، تزداد غنى على حساب الشعب الإيراني. فالكلام يدور عن ثروة خامنئي التي تصل الى تسعين مليار دولار وثمانين آخرين من كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري الذين يملكون ثروات ضخمة، دون أن يعرف كم تبلغ أرقامها الحقيقية وكيفية استثمارها وتوظيفها، وكيفية حصولهم عليها. لذلك استهدف الإيرانيون في تحركهم الشعبي الأخير رأس نظام ولاية الفقيه المرشد الإيراني، علي خامنئي، واتهموه في شعاراتهم وهتافاتهم، بالدكتاتورية، وبسرقة ونهب أموال الشعب وتجويعهم وإفقارهم وصرف ثرواتهم على طموحه وأوهامه الإمبراطورية وحروبه الإقليمية الطائفية في سوريا واليمن ولبنان وباقي الدول ودعم المنظمات الإرهابية.

ليس الدكتاتور علي خامنئي وحده المستهدف بالتحرك، فالحرس الثوري المستشري بقمع التحركات الشعبية والإعتراضية ليس بعيدا عن إستنزاف الشعب الإيراني إقتصاديا ونهب ثرواته. فالحرس الثوري هو القوة الإقتصادية الثالثة في إيران، وبات الحرس الثوري الذي يخضع لسلطة المرشد يهيمن على عصب الاقتصاد الإيراني حيث اتجه بعد نهاية الحرب الإيرانية - العراقية في أواخر الثمانينيات، إلى الأنشطة الاقتصادية تحت شعار "إعادة الإعمار" ليسيطر لاحقا على كل مجالات الاقتصاد، بحيث لا يمكن للقطاع الخاص أن ينافسه في هذا المجال، ومن المعروف في إيران إنه لا يمكن لأي مستثمر أن يؤسس أي مشروع دون موافقة الحرس الثوري وإمتلاكهم لنسبة فيه بالمباشر أو بشكل غير مباشر عبر بعض أزلامهم.تتراوح نسبة سيطرة الحرس الثوري على الأنشطة الاقتصادية بما بين 10 إلى 30% كما يدير قرابة 100 شركة تصل قيمتها إلى 12 مليار دولار تقريباً ويعمل فيها نحو 40 ألف شخص. يسيطر الحرس الثوري على معظم أنشطة التهريب والسوق السوداء من خلال ميليشيات الباسيج خاصة البضائع المربحة كالدخان وغيرها ذات المداخيل العالية دون خضوعها لنظام الضريبة والجمارك مما يحقق له أرباحا خيالية، وذلك الى جانب سيطرته على كل طرق تهريب المخدرات من إيران الى أفغانستان حيث له شبكة معقدة يقال عنها أنها الأكبر في المنطقة حيث يعتبر الحرس الثوري عراب عمليات التهريب التي تمتد من الشرق الأوسط حتى أوروبا والولايات المتحدة عبر أمريكا اللاتينية. ورغم ما يحققه الحرس الثوري من أرباح خيالية إلا أنه يحصل على تمويل سخي من موازنة الدولة، حيث ارتفعت مخصصاته بين العامين المنصرم والحالي حيث كانت ميزانيته للعام المنصرم 4,685,939,060 وإتفعت للعام الحالي الى 7,639,054,600  بنسبة زيادة تتخطى ال 60 %.

بالنظر إلى الأرقام الخاصة بالميزانية التي تم نشرها فإن ميزانية العام الجديد لإيران تستند إلى رفع الضرائب وتكلفة المعيشة بشكل عام، في حين أن الحكومة لم تبخل في زيادة مصاريفها العامة. وهناك تخوف من عدم قدرة إيران على تحصيل أموال بيع البترول بسبب الحصار الأمريكي على إيران، وهو ما تستند الحكومة عليه بسداد ومصاريفها، لذلك يبدو أن البلاد سوف تشهد ظروفا اقتصادية صعبة بحيث يقع مجمل الثقل على كاهل عامة الشعب.

وهذا الأمر تحديدا هو ما أثار غضب الشارع الإيراني وأثار الانتقادات للميزانية المقترحة، الا  أن الحكومة تبدو كمن لا حول لها ولا قوة، وهي مجبرة على تجرع كأس السم، والجهات السياسية بما فيها المحافظون يقومون بانتقاد أقسام مختلفة من الميزانية كي لا يخسروا شعبيتهم، وهم يعلمون أنهم في نهاية الأمر بحاجة لروحاني، ليفاوض الغرب كونه الوجه المعتدل للنظام، ولا مفر أمامهم، فهم جميعا سيصوتون على الميزانية في المجلس، للحفاظ على النظام، وهذا ما يفسر حالة التضامن الغير المعلن بين جناحي النظام المعتدل والمتشدد، فهم يعلمون حق اليقين إنهم في نفس المركب، فإما تنجو بهم جميعا أو تغرق بهم جميعا، وأنه لا مجال للمناورات فيما بينهم إلا بشكل نادر وضيق، بما فيها ملفات شائكة كملفات سوريا واليمن والعلاقة مع المملكة العربية السعودية، حيث الخلاف باللهجة وليس بالمضمون.

ليس من المتوقع إنتهاء الحركة الإحتجاجية في الشارع فهي ستخفت في مناطق وتندلع في مناطق أخرى، بسبب ضيق الحال الإقتصادي، ومعانات الشعب الإيراني، الا أن هذه الحركة تفتقد الى قيادة، لتطويرها وإدارتها، والمعارضة الإيرانية ليست بمستوى هذا التحدي فهي تواجه عقبات عدة تعيق قيادتها للشارع الإيراني أهمها ما يلي:

·       إفتقاد تلك المعارضة الى الرمزيات، فليس بين صفوف تلك المعارضة ثعلب كالرئيس الراحل رفسنجاني، كما في الجانب الآخر أي الكردي ليس هناك بين الأحزاب الستة المعارضة شخصيات قيادية كالدكتور عبد الرحمن قاسملوا أو فؤاد سلطاني.

·       المعارضة الكردية الإيرانية محاصرة في شمال العراق وهي غير قادرة على التحرك بسبب عدم وحدتها من جهة، وضغط القيادات الكردية العراقية عليها المتخوفة من ردة فعل إيران. وهي لم تنجح منذ سنة بعقد مؤتمر تأسيسي لجبهة معارضة جامعة، رغم الكلام المتكرر عنها، وهي مهددة ومستهدفة بشكل دائم من قبل النظام الإيراني وآخر فصول تلك التهديدات والإستهدافات كان إستهداف مقر حزب كومله الرئيسي بعبوة ناسفة تم كشفها في آخر لحظة، وذلك لإنهاء أي مقاومة محتملة، من قبل كومله أو الديمقراطي الإيراني.

·       المعارضة البلوشية محاصرة، كما الأهوازية المقموعة والمنتشرة في المنافي دون أي قدرة على قيادة أي حراك فعلي سوى عبر إعلام موجه يعمل بالأمنيات وليس بالوقائع.

·       فقدان مجاهدي خلق التنظيم المعارض الأكبر للمصداقية، فهو تنظيم رغم كبره، منبوذ من قبل الشعب الإيراني ويحتاج الى أن يغير بذهنيته الأقرب لذهنية التسلط الخاصة بولاية الفقيه، فهم كولي الفقيه غير قادر على تقبل حتى نقاش داخلي يهدف للإصلاح، ودكتاتورية مريم رجوي التنظيمية لا تقل عن دكتاتورية خامنئي، فهي لم تنجح بتقديم نموذج متقدم ومتطور عن نموذج ولاية الفقيه.

·       ما تبقى من ملكية تفتقر الى السند الشعبي، وهي محصورة بين فئة ضيقة من مثقفي البلاط.

·       ما يزال نظام ولاية الفقيه قويا وقادر على القمع والإرهاب ويستند النظام الى تحالفه مع روسيا والصين، ويعمل على تثبيت وجوده في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن من خلال تنظيمات إرهابية متحالفة معه وتنتمي الى خط ولاية الفقيه، حزب الله، والنظام العراقي بما فيه جزىء لا بأس به من الكرد، والنظام السوري، والحوثي.

·       تردد في العالمين العربي والغربي من الذهاب في المواجهة مع إيران للآخر رغم الكلام الكبير عن كسر هيمنة النظام الإيراني وآخره كان ما صدر عن رئيس وزراء لبنان سعد الحريري الذي إستقال من الرياض إعتراضا على هيمنة إيران، حيث ما لبث أن ترك السعودية وحيدة مترددة وتراجع عن إستقالته وتوجه للحوار والتفاهم مع حزب الله وحليفه الجنرال عون، أما الغرب فهو يستخدم معايير مزدوجة في التعامل مع إيران فهو في نفس الوقت الذي يتكلم عن إرهابها وقع معها الإتفاق النووي وضخ في إقتصادها المليارات، ويدافع عن إتفاقه معها أمام ترامب الذي لا يريد فعليا إسقاط النظام الإيراني بل جل ما يريده هو إعادة النظام الى داخل حدوده.

 

 

 

في ظل كل ما سبق التغييير في إيران يحتاج الى ما يلي:

·       بناء تحالف كردي عريض يضم الأحزاب الكردية الإيرانية المسلحة للدفاع عن الشعب الإيراني دون الإنجرار لوهم عسكرة الإنتفاضة، ودون الوقوع في أخطاء الثورة السورية.

·       بناء جبهة إيرانية عريضة تضم البلوش والكرد والأهواز والمجاهدين لقيادة مرحلة التغيير تحت شعار "إيران أولا" فليس المطلوب تدمير إيران وتشريد شعبها على غرار الشعب السوري.

·       عدم الوثوق بالغرب وعدم الإستسلام لتعليماته الميكافيلية التي لن تؤدي الا الى تورط المعارضة في مواجهة غير محسوبة في مواجهة نظام مجرم قدم لنا نموذجا لما يمكن أن يكون الحال عليه في سوريا وشمال العراق عتدما، دمر سوريا، وقاد عملية إقتحام كركوك.

·       بناء تحالف عربي من الدول المتضرررة من الإرهاب الإيراني، لترجمة كلام سمو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حول نقل القتال الى داخل إيران، وكسر حالة التردد، ورفد المعارضة الإيرانية بالدعم المطلوب، دون فرض أجندات خارجية عليها، تؤدي الى تفككها، وتركها لمصير مجهول كما حصل مع المعارضة السورية التي تحولت الى معارضة فنادق غير فعالة. على هذا التحالف أن يأخذ بعين الإعتبار سنة وكرد العراق فهم كانوا خط المواجهة الأول مع الهلال الشيعي إلا أنهم للأسف تركوا في المواجهة وحيدين يواجهون مصيرا مجهولا في وجه عدو مدعوم دوليا ومحليا.

كل ما سبق يقع بإطار الأمنيات فكاتب هذا المقال سعى جاهدا لبناء خط معارض للنظام الإيراني يمتد من طهران الى العراق الى سوريا ولبنان، للأسف فشلت والسبب الأهم للفشل هو تردد من يفترض بهم مواجهة هذا النظام في خوض المواجهة فأحد أركان 14 آذار قال لي " هل تريدنا أن نقتل جميعا"، وأحد رؤساء المجلس الوطني السوري قال لي " ما فينا نتدخل في أمور إيران الداخلية" في الوقت الذي كانت المليشيات والقوات الإيرانية تسرح وتمرح على كل الخريطة السورية. عسى أن أكون مخطأ هذه المرة وتتحول الأمنيات الى فعل معارض حقيقي في إيران وينقلب السحر على الساحر.

 


عدد القراءات‌‌ 113

AM:02:28:07/01/2018


الاكثر مشاهدة