هل غيرت ميركل توجهاتها للحفاظ على الكرسي؟

يراقب بقلق الكثير من اللاجئين الحملة الإنتخابية في ألمانيا لم لها من إنعكاسات على مستقبل اللجوء في ذلك البلد الذي قدم الكثير للاجئيه عامة وللسوريين منهم خاصة. قبل ثلاثة أسابيع على الانتخابات البرلمانية الألمانية نظمت القنوات التلفزيونية مناظرة بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وغريمها من الحزب الاشتراكي، مارتن شولتس. مناظرة تابعها ملايين الألمان ومثلهم حول العالم، لما لهذه الدولة من أهمية على المستوى السياسي والاقتصادي. كلا المتناظرين حاول إقناع الجمهور بحججه المختلفة على أمل كسب الثلث المتشكك لمن سيمنح صوته. كما كان متوقعا بعثت هذه المناظرة التلفزيونية بعض الدينامية في الحملة الانتخابية التي اتسمت بالملل حسب تقارير إعلامية، حيث ستكون المواجهة بين ميركل المتميزة بحضورها الشعبي الكبير وخبراتها الواسعة في مواجهة أزمات عالمية ومحلية وبين شولتس المعروف بقدراته الخطابية المؤثرة، والذي كان قد أعلن أنه ينوي الاستمرار في "المعركة حتى اللحظة الأخيرة" على أمل إزاحة ميركل من عرش المستشارية. وكانت استطلاعات للرأي أفادت بأن نحو ربع الألمان الذين يحق لهم الانتخاب لم يحسموا موقفهم من المشاركة في الانتخابات، مشيرة إلى أن ارتفاع نسبة الألمان الذين لا يعتزمون الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات أو لم يحسموا أمر مشاركتهم بعد بـ2 في المائة لتصل إلى 26 في المائة، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها في الاستطلاعات منذ نهاية يناير الماضي. وتخشى الأوساط السياسية والشعبية في ألمانيا من استفادة اليمين الشعبوي والمتطرف من النسبة الكبيرة للناخبين الذين لم يحددوا بعد خياراتهم في التصويت لكسبهم، مستفيدا من تنامي المخاوف من مشاكل الهجرة والإرهاب والإسلاموفوبيا. للافت في هذه المناظرة أن نصف الساعة الأولى دارت حول موضوع واحد وهو "اللجوء والإسلام". هذا إضافة إلى مثله من الوقت حول تركيا. هذه المواضيع أججت النقاش بين الطرفين، الذين لم يظهرا خلافا كبيرا حول تلك المواضيع، خاصة وأنهما يعلمان جيداً إنهما محكومان بالتعاون في نهاية المطاف، حيث ركزا على الأخطاء التي تم ارتكابها حيال سياسة اللجوء، وكذلك المخاطر التي قد يجلبها المواطنون من أصول إسلامية لألمانيا بحمل الأفكار المتطرفة وبالتالي ترجمتها إرهاباً في ألمانيا. كلاهما أكد على ضرورة ترحيل المشكوك بإنتمائهم للإرهاب من البلاد وعدم التهاون في ذلك. إلا أن ما لم يتحدث عنه المتنافسان هو الظروف التي دفعت بمئات آلاف اللاجئين للمخاطرة في حياتهم من أجل الوصول إلى أوروبا وكيفية علاج تلك المشاكل.

 

وحول قضية الإسلام وألمانيا، قالت " ميركل" أتفهم من لا يستوعبون قيام عدد من المسلمين بضربات إرهابية باسم الدين، وهناك كثير من علماء المسلمين يقومون بأدوار توعية ضد ذلك الإرهاب، والإسلام جزء من مجتمعنا، ولكن لابد أن يتوافق مفهوم الإسلام مع الدستور، وقالت  إنه يتم غلق المساجد التي تمارس خطابا مرفوضا، وتابعت "بدأنا بتدريس الدين الإسلامي ولدينا أربع جامعات تدرس الدين الإسلامي". كان خطابها حيال هذا الموضوع خطاباً متردداً يصح فيه القول الشعبي " ضربة على الحافر وضربة على المسمار" فالصوت المسلم في ألمانيا له وزنه وثقله الإنتخابي، وميركل معروفة بقدرتها العالية على المناورة. حماسها لقضايا اللجوء في بدايات الأزمة دفع الاجئين الى تسميتها ب " ماما ميركل"، التي ما لبثت مع مرور الوقت تفقد من شعبيتها، إلى جانب صعود اليمين المتطرف ليس في ألمانيا وحدها، بل في الكثير من الدول الأوروبية. بعدها أيقنت ميركل أنها ارتكبت خطئاً جسيماً في هذه السياسة وهذا الترحيب بخليط من الثقافات تختلف عن الثقافة الغربية لدرجة التناقض أحياناً مما يصعب عملية الإندماج في المجتمع ويخلق تناقضات إجتماعية وثقافية. لذا ما لبثت أن تراجعت عن هذه السياسة، بل والاعتذار عنها. وبدأت تتحدث بنفس النبرة التي يريد الشارع سماعها، وهي عدم استقبال مزيد من اللاجئين والبدء بترحيل من يتم رفض طلب لجوئهم. من الواضح أن ميركل لم تعد ترغب المغامرة بمستقبلها السياسي، راوغت ميركل بموقفها ونفت تغييره، إلا أنها سعت الى إسماع الشارع ما يحب أن يسمعه، بدون أن يحسب ذلك تراجعاً، فقالت إن سياستها تجاه اللاجئين كانت صحيحة وأنها في المرحلة القادمة ستقنن مسألة نزوح اللاجئين، نافية أن يكون ذلك مهددا للمجتمع الألماني. ما كان في العام 2015 إنسانيا وملحا، أصبح اليوم غير ملح ولم يعد ضمن الأولويات السياسية لميركل. تمنح استطلاعات الرأي تفوقا لحزب ميركل "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" أمام الحزب الاشتراكي الديمقراطي بفارق من 14 ل 18 نقطة بينهما، فيما يحتل حزب البديل اليميني الشعبوي المرتبة الثالثة.

يرى المراقبون أن ميركل لا تخاطر، وتتجنب الوعود الواضحة، وتطرح نفسها كضامنة للاستقرار في عالم الأزمات وفي وجه الصدمات الانتخابية التي تمثلت في بريكست وفوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. تعتبر ميركل بالرغم من قضائها 12 عاما في الحكم، إنها ما زالت بنفس حماستها، وشكلت هذه المناظرة فرصة أخيرة بالنسبة إلى المرشح الاشتراكي الديمقراطي من أجل تحقيق أمل حزبه في الانتصار على الاتحاد المسيحي الديمقراطي، حليفه في التحالف الحاكم. ويسعى الحزب إلى اقناع الناخبين عبر التركيز على شخصية مارتن شولتز المعروف بأنه إنساني أكثر من ميركل، وبأنه "متحدث لبق مع الناس فهومباشر ويملك موقفا واضحا ولغة واضحة وتوجها واضحا".

تركيا التي أخذت حيزاً معتبراً من نقاش المتنافسين وعد شولتس - في حال فاز بالانتخابات وأصبح المستشار الألماني - بأن ينهي مفاوضات إنضمام تركيا الى الإتحاد الأوربي ، مؤكداً أن هذا لا يمكن في الوضع الحالي، ولا يمكن قبول تصدير الكراهية الى ألمانيا عن طريق الدين. حول ملف السياسة الخارجية وإغلاق الحدود الخارجية، طالب شولتس بمراقبة الحدود وليس إغلاقها، وأنه لابد من وجود قانون ينظم ذلك، ولابد من وجود قانون أوروبي للهجرة ينظم ذلك أسوة بالولايات المتحدة وكندا. عقبت ميركل على إمكانية إغلاق الحدود الأوروبية، قائلة " لابد أن نضبط المسألة مع تركيا وليبيا، وأن نبني اتفاقيات من الشراكة مع الدول الإفريقية في شأن الهجرة القانونية" وكانت المستشارة الألمانية قد وقعت اتفاقية مع الحكومة التونسية عبر دعمها إقتصادياً لتساهم تونس بمنع تدفق اللاجئين عبر تونس إلى أوروبا. وكذلك وقعت إتفاقية مع الحكومة المصرية، واستقطبت قادة ليبيين بالتفاهم مع إيطاليا من أجل دعمهم بالمال وتدريب خفر السواحل الليبية لمنع وصول قوارب اللاجئين إلى الضفة الأخرى للبحر المتوسط. إجراءات أثبتت نجاحها، فبعد أن وصل إلى ألمانيا حوالي 890 ألف لاجئ، في العام 2015، تراجع العدد إلى 280 ألف في العام 2016، ولم يتجاوز  106 آلاف في العام 2017. في المقابل رحلت ألمانيا ما مجموعه 57 ألف لاجئ خلال السنوات الثلاث المذكورة.

عنوانان بارزان لتلك المناظرة " اللجوء وإندماج اللاجئين والإختلاف الثقافي"، " الإسلام وتركيا والكراهية والإرهاب" طبعا الى جانب الوضع الإقتصادي والبطالة وسن التقاعد. كل تلك العناوين ونتيجة الإنتخابات ستحدد ليس فقط سياسة ألمانيا المستقبلية، بل ستحدد مستقبل وتوجهات الإتحاد الأوروبي الذي أصبح هو وقادته بوجهين وجه إنساني ظاهر للعيان، ووجه آخر يخبئونه وراء القناع عنوانه التقوقع، ورفض " الغريب"، والتخلي عن الشعارات الإنسانية التي إتسمت بها أوروبا والنزوح نحو المزيد من التطرف اليميني. 

 

 نقلا عن رووداو 


عدد القراءات‌‌ 266

PM:01:43:05/09/2017


الاكثر مشاهدة