تقسيم سوريا بانسجام أممي وايراني

 


 

المهمة الأولى للأمم المتحدة هي حفظ السلام، الا أن ترجمة هذا الشعار في سوريا حمل في طياته ما بدا وكأنه رعاية لحملة تطهير عرقي، ففي سوريا كانت مهمة المنظمة لا تعدو أن تكون - فضلاً عن إصدار بيانات الشجب والقلق- الإشراف على خطط نظام بشار الأسد بتهجير أهالي القرى والبلدات الأكثر صموداً في وجه آلاته الوحشية المدمرة، هو وحلفاؤه من روسيا، إلى المليشيات العراقية والإيرانية واللبنانية، وإفراغها من سكانها.

عكست الهجمات الأخيرة الواسعة التي شنها نظام بشار الأسد وميليشيا "حزب الله" اللبناني بدعم إيراني مطلق لا سيما في ريف دمشق، إلى انتقال الحلفاء الثلاثة إلى تطبيق فعلي لخطة إفراغ بعض المناطق السورية من سكانها الأصليين واستبدالها بآخرين يعلنون الولاء التام للأطراف الثلاثة، ولهذه الخطة ما بعدها تأثيرات خطيرة على مستقبل سورية، وتعتبرها المعارضة السورية التي كان لبعض منها أدوار مشبوهة في تلك التفاهمات (جبهة النصرة، داعش)، بداية فعلية للإعلان عن تقسيم البلاد.

 أشرفت الأمم المتحدة بالحد الأدنى على 4 حملات ممنهجة للتغير الديمغرافي الشامل في سوريا، في حمص القديمة، والزبداني، وداريا، وحلب، فضلاً عن مشاركتها في رعاية حملات أخرى أقل حدة وشمولية، كما في مضايا والوعر، عدا عن سكوتها عن مساعي نظام الأسد الذي جلب مقاتلين أجانب من العراق ولبنان، فضلاً عمّا استوردته إيران من مرتزقة شيعة من أفغانستان وباكستان. يترافق كل ذلك مع جهود ايرانية حثيثة لإحداث تغيير سكاني واسع بين دمشق وبيروت، وصولا إلى القلمون الغربي، مرورا بسرغايا ومضايا وبلودان والزبداني وحدودها مع لبنان، استكمالا لهلالها الشيعي من طهران مرورا بالعراق الى لبنان. 

 لأول مرة كشفت أميركا قناعها في نقاش موضوع رحيل الأسد، فأظهرت الأيام الماضية نوايا واشنطن المستقبلية في سوريا، فلقد كشفت الإدارة الأمريكية بعضاً من أقنعتها السياسية فيما يتعلق بمستقبل سوريا ومصير رأس النظام "بشار الأسد” وخاصة قضية رحيله. ففي تصريحات لبعض المسؤولين في إدارة "دونالد ترامب"، التي بدأها وزير الخارجية " ريكس تيلرسون" خلال زيارة له لتركيا، قال فيها: "قضية مصير الأسد يحدده الشعب السوري على المدى البعيد".

كما تحدثت مندوبة الأمم المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة "نيكي هالي" عن أولوية القضاء على الإرهاب قبل الحديث عن مستقبل الأسد، رافق هذه التصريحات ما أعلنه البيت الأبيض، السبت الماضي، عن مصير الأسد، إذ أعلنت الولايات المتحدة أن مصير الأسد ليس من أولوياتها

جاء موقف البيت الأبيض مؤيداً لتصريحات وزير الخارجية والمندوبة الرسمية في الأمم المتحدة بشأن تقرير الشعب السوري لمصير الأسد. فقال شون سبايسر، المتحدث باسم البيت الأبيض في إفادة صحافية: "فيما يتعلق بالأسد، يوجد واقع سياسي علينا أن نقبله فيما يخص موقفنا الآن". ونقلت وكالة (رويترز) عن سبايسر قوله: "الولايات المتحدة لديها أولويات راسخة في سوريا والعراق"، مؤكداً أن "هزيمة (داعش) تأتي في مقدمة تلك الأولويات".

كل المؤشرات تؤكد أن ظاهرة اللاجئين السوريين التي انفجرت فجأة في البلاد الاوروبية ليست وليدة اليوم، وليست نتاجا للازمة التي يعيشها السوريون، وما هي الا جزء من مخطط قديم جديد بدأ العمل عليه الرئيس الراحل حافظ الأسد،

فبالنسبة للكثير من السنة، لا تعتبر الطائفة العلوية من الطوائف المسلمة، وذلك نظراً للخلافات العقدية بين السنة والعلوية. وموضع الإشكال يكمن في أن الدستور السوري  يؤكد على أن رئيس الدولة ينبغي أن يكون مسلماً، وهذا يضع الشرعية السياسية لرئيس الدولة موضع التساؤل في حال اعتبر العلويين غير مسلمين، وهذا الجدل الطائفي يمثل تهديداً بالنسبة للنخب الحاكمة. لذلك عمل الأسد الأب على إثبات انتماء العلوية للطوائف المسلمة من خلال العمل على تطبيق مبدأ التقارب بين المدارس الفقهية الإسلامية، وهو ما يُطلق عليه مبدأ (التقريب)، وتعتبر الطائفة العلوية أقرب بسماتها المشتركة الى الطائفة الشيعية الإثنى عشرية، وهو ما بني عليه باعتبار العلوية واحدة من الطوائف الشيعية. تعود الجهود الفقهية بالتقريب فيما بين العلوية والاثني عشرية الى عهد الإمبراطورية العثمانية، وقد تم إعادة تنشيط تلك الجهود بتسهيل من الانتداب الفرنسي في الخمسينيات، عندما اعتمد بعض الأعضاء الكبار في الطائفة العلوية بالاستناد الى حماية الانتداب، تنظيماً وأفكاراً تشريعيةً مستقاةً من الفقه الإسلامي الشيعي الإثنى عشري كنتيجة لهذا لتقريب. عند استيلاء حافظ الأسد على السلطة، انتبه الى ضرورة اضفاء الصفة الاسلامية على الطائفة العلوية وذلك لاضفاء الشرعية على موقعه كرئيس جمهورية مسلم، فعمل على أن يصبح التقريب سياسة رسمية للسلطة، خاصة في ظل إصرار المؤسسة السنية الرسمية على فرض المنظور العقائدي أو الطائفي في تشكيل تصورهم عن السياسية في الإسلام، مما لم يؤسس لتقارب فيما بين المذهبين السني والعلوي،

فلعب العلماء السنة من المذهبين الحنفي والشافعي دور فعال في تصعيد المواجهة مع النظام، الذي بالمقابل نفذ عدة استراتيجيات جريئة وعدوانية بهدف التحكم بالبنية التحتية الواسعة للسنة، بدلاً من السعي نحو تطوير استراتيجيات للتعاون. وقد ظهر ذلك في التدابير التي اتخذها النظام كالتعذيب والاعتقال، والتي كانت سبباً في إكساب سوريا سمعة سيئة، رسخ تلك الاستراتيجية والسمعة للدور الذي مارسه الجهاز الأمني – من خلال تغلغله في عمق المجال الخاص – وفي نشر الرعب والخوف في نفوس المواطنين، حيث لم يسلم من تلك الممارسات حتى الخطباء والمصلون في المساجد حيث تم اعتقالهم وتوقيف الأئمة عن العمل، وذلك لعدم خضوعهم لأوامر جهاز المخابرات المتيقظ دائماً. وقد تعزز كل ذلك عن طريق وسائل التحكم والهيمنة لمختلف أشكال مؤسسات الإسلام السني، كالأوقاف والمساجد والمعاهد الدينية.

ما حدث عام 1982 في مدينة حماة - التي تقع في وسط سورية - من تمرد أهلها وردّ النظام على التمرد بالحصار والتدمير، يدلل إلى أي مدىً كان يمكن لنظام حافظ الأسد أن يستعمل الوسائل القمعية بدون تمييز وبشكل جماعي، في سبيل الحفاظ على السلطة. ولو كان من قام بالتمرد عصبة صغيرة هي الطليعة المقاتلة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين. تلك الأحداث خلفت جرحا عميقا في الذاكرة الجمعية السورية وكانت إعلان نهاية التحدي المفتوح للشرعية الدينية والسياسية للنظام، واستمر الصراع على الشرعية بعد ذلك، ولكن ضمن أفق أقل انفتاحا، بالرغم من حرص كلا الطرفين على تجنب مواجهة مفتوحة أخرى بعد أحداث حماة. في ظل هذا التحدي المتبادل، لم يبقى أمام الأسد الأب سوى خيارات ضيقة، مما دفعه الى تبني التقريب كاستراتيجية فاعلة لسوريا في الشرق الأوسط، فعمل على بناء شراكة مع تابعي المذهب الاثني عشري في لبنان وايران، مما أدى الى تأسيس روابط متشابكة فيما بين المجتمع السوري (الرسمي التابع للنظام)، و الشيعي الإثنى عشري في إيران ولبنان، مما أسس لبناء علاقات عسكرية واقتصادية وسياسية بين علويي سوريا وشيعة لبنان وايران.

 عمليا خرج العمل على بناء ذلك التحالف للعلن العام 1996، عندما عملت ايران بشكل علني على تنفيذ خطتها لربط الطائفة العلوية بالمذهب الاثنا عشري، فقاد رفسنجاني مفاوضات أدت الى توقيع اتفاق يجعل مرجعية العلويين قم.

اليوم كما الأمس، يستكمل الأسد الابن خطة ربط علويي سوريا بايران باشراف مباشر منه، عبر تدخلها العسكري هي  وحلفاؤها حيث يتم العمل على تفريغ مناطق ريف دمشق بشكل أساسي من تواجد قوات المعارضة (السنية) وخلق حزام يلف العاصمة من مؤيديه (العلويين والشيعة)، فالمخطط الإيراني يسعى لخلق منطقة نفوذ آمنة وخالية من التواجد السني لا سيما فئة الشباب، والمنطقة المستهدفة تمتد من الحدود اللبنانية غرب سورية وصولاً إلى دمشق شرقاً باتجاه منطقة السيدة زينب. لذلك تعزز ايران تواجد العائلات الشيعية في المناطق الواقعة جنوب شرق دمشق لتشكيل خط آمن من ناحية السيدة زينب إلى مركز العاصمة، أما بالنسبة للمناطق السنية في جنوب دمشق فيجري العمل على اختراقها عن طريق "المصالحات والهدن" وشراء الذمم بحيث يتم رسم المنطقة بلون طائفي واحد يطغى على من تبقى من مكونات المنطقة بعد تحويلهم الى أقليات ضعيفة لا حول لها ولا قوة، وبذلك تضمن ايران وحلفائها هيمنتهم على المنطقة وخضوعها لهم.

في بدايات ذلك التحول السوري نحو ايران قام النظام السوري بكل ما يمكن أن يضر بالتضامن العربي، ويضعف العرب بمواجهة ايران، فوقفوا مع ايران ضد صدام حسين، ووقف السوريون مع حزب الله، ضد المكونات اللبنانية الاخرى، فهمش المسيحيون (نفي الرئيس ميشال عون حينها الى فرنسا، وسجن رئيس حزب القوات سمير جعجع بتهمة مفبركة تتصل بتفجير كنيسة سيدة النجاة، وفرض على الحزب الشيوعي والأحزاب الوطنية المشاركة في المقاومة ضد اسرائيل بتسليم زمام الأمور لحزب الله وذلك بالضغط عبرطلب بيانات العمليات العسكرية مسبقا، واغتيال قياداته "حسين مروه، سهيل طويله، خليل نعوس، مهدي عامل" وفرض الحصار عليه عبر منع وصول السلاح ومصادرة الشحنات المرسلة للحزب لقتال اسرائيل، وفتح المعارك بوجه الحزب (معركة العام 1987 في بيروت)، لتتحول المقاومة من وطنية الى اسلامية، كانت من كل الوطن لكل الوطن لتتحول الى طائفية محصورة بفئة طائفية ليس حتى بطائفة بعينها) وفي تلك الفترة اتخذ النظام السوري قرارا داخليا بقصر المهمات الامنية على القيادات العلوية، و فتح الابواب على مصراعيها للتشيع الفارسي المنظم، وأصبحت السفارة الايرانية في دمشق تتدخل في اعمال وزارة الداخلية السورية، واصبح القضم التدريجي للاراضي والعقارات عبر سماسرة، وعبر الضغط امرا حاصلا في سوريا.

كان ومازال لبنان بالنسبة لايران الحلقة الأضعف رغم قوة حزب الله العسكرية في هلاله الشيعي، فالرئيس رفيق الحريري كان من أوائل من فهم خطورة ذلك الهلال الذي أشار اليه بوضوح ملك الاردن عبد الله الثاني قبل حتى أن تفكر ايران به، وما عزز قناعة الرئيس الحريري بخطورة ما تحضره ايران للمنطقة بالتحالف مع سوريا، كان اللقاء الكارثي الذي جمعه العام 2003  مع بشار الأسد والضباط الثلاثة غازي كنعان ورستم وغزالة واحمد خلوف، حيث اعتبر اللقاء كارثيا ومحاكمة للرئيس الحريري من قبل النظام السوري، حيث تعرض في ذلك اللقاء للكثير من الاتهامات التي تتعلق بتلفزيون المستقبل وجريدة النهار وحملته المزعومة على لحود. وكان الرئيس الحريري قد قال لمستشاره هاني حمود، حسب شهادته أمام المحكمة الدولية انه فكر مرارا بمغادرة القاعة والقول للاسد "انت تخاطب رئيس حكومة لبنان". يومها قلب الرئيس الحريري الطاولة على النظام السوري وتوجه بهدوء انما بثقة نحو الانضمام الى التحالف المعارض للوجود السوري في لبنان، " لقاء البريستول"، الذي كان يضم بشكل رئيسي كلاً من "لقاء قرنة شهوان" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" ودخل على الخط النائب غطاس خوري، بصفتة الشخصية بداية، وبصفته ممثلا لكتلة قرار بيروت لاحقاً وتحديداً عندما انخرط في هذا الاطار النائب احمد فتفت بصفته ممثلاً لـ"تيار المستقبل" ليس في عموم الشمال بل في الضنية وعكار حصراً.

في تلك الآونة، عقد وليد جنبلاط تحالفا مع كل مكوّنات "لقاء قرنة شهوان" بما في ذلك "القوات اللبنانية" المرتبطة بالسيدة ستريدا سمير جعجع.

أما الرئيس رفيق الحريري الذي كان داعماً لهذا اللقاء المعارض اتخذ قراراً بالتمايز عنه، فهو وان وقف إلى جانبه في نضاله المشروع لتحرير لبنان من الوصاية الأمنية السورية، بحيث يختار حلفاءه المسيحيين والدروز من مكوناته فإنه أصر على إبقاء خطوط التواصل، بما في ذلك التحالف، مع كل من "حركة امل" و "حزب الله" في المدى الشيعي، بمحاولة للبلنتهم، وابقائهم ضمن الفضاء العربي، وبذلك الموقف لم يكن الرئيس الحريري مقدرا لمدى ارتباط حزب الله بالنظام الايراني عضويا، اذ كان ذاك الموقف يصح مع حركة أمل وليس حزب الله، والأيام اللاحقة أثبتت ذلك.

عندما، قرر النظام الايراني الدفاع عن تمدده الجغرافي باتجاه العراق وسوريا ولبنان، كونه يعلم مكانة سوريا في اطارها الجيو إستراتيجي، باعتبارها مفتاح الشرق، حيث أجرى عمليات تبشير منظمة لتوسيع انتشار ولاية الفقية، باستغلال بعض المزارات الشيعية في سوريا، التي كانت على الدوام بلدا يؤشر على اهمية التنوع والتعدد في اطاره،  فقام بتوجيه ضربة قوية للمعارضة في لبنان باغتيال الرئيس رفيق الحريري بالتفاهم مع النظام السوري، وبمشاركة حزب الله بصفته جناح الحرس الثوري في لبنان. الا أن السحر انقلب على الساحر فانتفض الشعب اللبناني وتظاهر في ظل هيمنة الجيش السوري ضد النظام السوري وطالب بخروج الجيش السوري من لبنان، بعدما لم يعد الاعتراض على الوجود السوري حكرا على المسيحيين، اثر قيام شخصيات ديمقراطية ويسارية بتأسيس المنبر الديمقراطي ومطالبتها بتصحيح العلاقات اللبنانية - السورية. لينتهى الوجود العسكري السوري في لبنان يوم 26 نيسان 2005 ، إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري يوم 14 شباط/فبراير 2005. هذا الانقلاب فيما بين العام 2004  ولغاية 2007، أضعف النظام السوري، وأسس لاستسلام وانجزاب مؤسسة الرئاسة السورية لايران بسبب ضعف الادراكات السياسية، والاخطاء القاتلة في تعاملاتها مع لبنان وتحديدا بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وتنفيذ حزب الله لعملية 7 أيار العسكرية، وفرض اتفاق الدوحة، ومن ثم فرض حالة فراغ على موقع الرئاسة اللبنانية لأكثر من سنتين لفرض انتخاب حليفها ميشال عون رئيسا للجمهورية. لم تقتصر حملة الاغتيالات لتطويع الوضع لصالح ايران في لبنان فقط، ففي بدايات حكم الاسد الابن، عاشت سوريا صراعات داخلية مخيفة، اسهمت في استخدام كاتم الصوت ضد وزراء ورؤساء وزارات ورجال أمن ممن اطلعوا مباشرة على مخطط التغيير الكبير في سوريا، كما تمت تصفية قياديين في مؤسسة الرئاسة، او اضعاف وجودهم، او الاطاحة بهم عبر مؤتمرات البعث القطرية، ومثال ذلك عبدالحليم خدام الذي فر الى فرنسا، وفاروق الشرع الذي يغيب عن المشهد السوري اليوم، وغازي كنعان الذي انتحر بعدة رصاصات.

التهجير الذي يتعرض له السوريون، ليس حركة طبيعية، بل هو منظم وهناك دول ومنظمات وهيئات منخرطة في هذه العملية، وان المهربين اصبحوا يعملون علانية، وان مؤسسات ايرانية تقوم بدفع مبالغ طائلة لخدمة هذا الهدف، وان رقة الاوروبيين (الكفار) جاءت لتظهر لا انسانية الدول العربية والاسلامية، وليعمل الغرب على تسويق الجانب الانساني له باستغلاله لاوضاع السوريين في مزايدة رخيصة ومكشوفة وان هدفها الرئيس العبث بطبيعة الديمغرافيا السورية.

كان بشار الأسد قد قال في خطاب له في يوليو/تموز 2015: إن "الوطن ليس لمن يسكن فيه، وليس لمن يحمل جواز سفره أو جنسيته، الوطن لمن يدافع عنه"، في إشارة واضحة إلى عزمه توطين وتجنيس المرتزقة والمليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانب قواته.

وفي 7 مايو/أيار 2014، أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذ أول اتفاق يفضي إلى إخلاء حمص القديمة من سكانها وأبنائها المقاتلين، بعد أكثر من عامين على حصار تلك الأحياء، وإبعادهم إلى أرياف حمص الشمالية.

وفي 28 ديسمبر/كانون الأول 2015، أشرفت الأمم المتحدة على خروج جرحى ومقاتلي الزبداني المحاصرة بريف دمشق الغربي إلى لبنان وإدلب، ضمن ما عرف باتفاق الزبداني–الفوعة وكفريا.

وبتاريخ 26 أغسطس/آب 2016، أشرفت الأمم المتحدة على خروج أهالي مدينة داريا، التي حوصرت على مدى 4 سنوات، وإخلائها من جميع سكانها.

وبين هذه الحالات أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذ صفقات أخرى تدخل في باب التغيير الديمغرافي بدورها، كما في مضايا، والوعر.

ولم يصدر أي بيان أممي يحذر من أن ما يحدث في هذه البلاد خطير، ويستدعي تدخلاً للحفاظ على وشائج سوريا ونسيجها الاجتماعي.

الموضوع ليس سنة وشيعة، بل الموضوع هو تمدد ايراني سافر، يهدف الى هدم الدولة العربية، وبعث الطائفيات، والميليشيات، التي ستتبع لها بالضرورة، وعليه فانه واستكمالا لخطة التبشير السابقة، فان عمليات التهجير الحالية تتم بأساليب تقوم على القتل، والحرمان، والمضايقات، وفتح الابواب امام عمليات بيع الاراضي والعقارات، وايضا فتح ابواب السفارات للهجرة، حيث كشفت المعلومات أن العديد ممن خرجوا من سوريا خرجوا بالضغط وبشراء العقارات، واحيانا بالقوة، حيث يمنع أهالي الاحياء السنية من العودة لها، بينما تشيع الحكومة السورية بانها بصدد تنفيذ حملة اعمار كبيرة في مناطق دمرت بقصد تفريغها من سكانها.

قد تنجح الوسائل المختلفة في الاثارة الطائفية في سوريا لبعض الوقت، خاصة بوجود أدوات صنعت من قبل المخابرات الايرانية والسورية، كداعش والنصرة، ليتحولوا الى أدوات جاذبة للشيعة الى سوريا من كل مكان لمواجهة التكفيريين كما يدعون، وذلك من خلال تحفيذ تلك الأدوات المخابراتية للنعرات الطائفية

عبر نشر ما يقرب من 90 ألف تغريدة يوميا من قبل داعش وأنصاره، وتضم بعض هذه التغريدات فيديوهات وصورا لعمليات القتل، واستخدام عبارات طائفية ك "الرافضة، وأبناء المتعة، وغيرها من العبارات"، وتحفذ بالمقابل السنة الخائفين على مستقبلهم ووجودهم بوجود نموذج عراقي غير مشجع، لقتال العلويين في سوريا والشيعة في العراق، وخلق جو طائفي يسهل عمليات الفرز العرقي بدون ضجة تذكر وبصمت مطبق من المجتمع الدولي، وبالتالي فرض أمر واقع ديمغرافي يؤدي الى تقسيم سوريا والعراق على أساس طائفي وعرقي، في ظل تركيز ايران على نزع الهوية الوطنية عن الجيش السوري، ليتحول الى حرس ثوري ايراني، وفرض الحشد الشعبي كبديل الجيش الوطني العراقي، حيث يبنى الجيش السوري والحشد العراقي على أساس طائفي، وحصر جل وجود الجيش السوري في منطقة الساحل السوري. من هنا كان السعي لافشال تجربة الجيش السوري الحر، وخنق تجربته في المهد، حتى لا يتحول الى بديل وطني قادر على فرض حل وطني على أساس اسقاط الأسد، والحفاظ على هيكل الدولة السورية وادخال اصلاحات سياسية تؤسس لسوريا حرة وديمقراطية ترجمة لصرخة القاشوش الذي دفع روحه وحنجرته ثمنا للشعار الأجمل للثورة السورية " سوريا بدها حرية" الى جانب الشعار الأوضح الذي أبرز رفض الشعب السوري للانقسام وهو " الشعب السوري واحد" الذي أطلقه شهيد وحدة سوريا القائد الكردي مشعل تمو الذي قتل لاخراج الأكراد من معادلة الوحدة وتسليمهم لحزب الاتحاد المتحالف مع النظام وايران لمنع تمدد الثورة السورية الى الوسط الكردي وحصرها باطار طائفي عنوانه الصراع السني الشيعي.


عدد القراءات‌‌ 1209

AM:07:33:05/04/2017


الاكثر مشاهدة