د. سعد محمد بن نامي الباحث في الشئون الإيرانية كتب عن علاقات ايران بدول الجوار

منذ قيام نظام الجمهورية في إيران والعلاقات بين هذه الدولة ودول الجوار، وخاصة في منطقة الخليج وهي تمر بمنعطفات وتحولات، فتارة تصل إلى حدة التأزم وتارة يلوح بصيص أمل في التحسن والتطور، وإذا ما استعرضنا العلاقات بين إيران والدول الخليجية نجدها مرت بعدة مراحل:

1- مرحلة التأزم: وهي الفترة التي تلت قيام نظام الجمهورية في إيران من 1980-1989م، ورفعت خلالها إيران مبدأ تصدير الثورة.

2- مرحلة المصلحة والمصالحة: وهي فترة تولي الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية من عام 1989-1997م؛ حيث اعتمد فيها هاشمي على البراغماتية الاقتصادية.

3- مرحلة إزالة التوتر وتحسن العلاقات: وهي فترة رئاسة الرئيس الإيراني سيد محمد خاتمي.

4- مرحلة عودة التأزم: وهي فترة الرئيس الحالي أحمدي نجاد.

ولقد كانت لكل مرحلة ظروفها ومسبباتها سواء كانت العلاقات متأزمة أو حسنة؛ لكن الشيء المؤكد هو أن فترات مراحل التأزم كانت فيها إيران هي البادئة بممارساتها وتدخلاتها التي تجبر الدول الخليجية على مراجعة علاقاتها معها، أما مرحلة تحسن العلاقات فالدول الخليجية وخاصة المملكة العربية السعودية هي التي كانت تمد يدها وترحب بالسياسة الإيرانية لا سيما عندما ترفع شعار إزالة التوتر في العلاقات الخارجية وحسن الجوار معها، وكان لخادم الحرمين الشريفين دور في ذلك إبان قبوله الدعوة الإيرانية حضور مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي الذي عقد في العاصمة الإيرانية طهران عام 1998م. ولكن لماذا تسعى إيران في الغالب إلى حالة التأزم في علاقاتها مع الدول الخليجية؟

الجواب من وجهة نظري أن هناك مشروعًا إيرانيًّا في المنطقة العربية، وخاصة في الشرق الأوسط، وهذا المشروع توسعي وهيمنة، أعيد التخطيط له، وتم وضع إستراتيجية جديدة له بعد انتصار الثورة الإيرانية وقيام نظام الجمهورية في إيران، إستراتيجية هذا المشروع نص عليها دستور الجمهورية الإيرانية في مادته (154) من الفصل العاشر الخاص بالسياسة الخارجية، والتي تتضمن السعي لتأسيس الحكومة العالمية، والتدخل في شئون الآخرين من خلال تحججها بدعم من تطلق عليهم المستضعفين ضد المستكبرين ونصرة الحركات التحررية في أي مكان من العالم، وهي تتناسى من أضعفتهم وأهانتهم داخل حدودها من البلوش والأكراد والعرب. ثم سعى قادة هذا النظام منذ بداية تأسيسه لتحقيق هذا الحلم من خلال صياغة مبدأ تصدير الثورة، وعندما أسسوا الحرس الثوري في إيران أسندوا له مهمة تنفيذ هذا المبدأ إضافة لما كان يمارسه من ممارسات قمعية في الداخل، ولذلك نجد أن المشروع الإيراني كان يتحرك ولا زال وفق عدة محاور: منها المحور الاستراتيجي، والمحور الأيديولوجي، والمحور الاقتصادي. وللمشروع الإيراني أدواته التي تسعى لفرضه على المنطقة بأسرع ما يمكن، وهذه الأدوات تتمثل في ما يلي:

1- الحرس الثوري: كما ذكرت أن من أسباب إنشاء الحرس الثوري هو تصدير الثورة؛ ولذلك تكفل ما يعرف بفيلق القدس عملية التخطيط والتنفيذ.

2- وزارة الأمن والاستخبارات: وتقوم بدعم المشروع اقتصاديًّا عن طريق مؤسساتها الاقتصادية، وإعلاميًّا عن طريق إنشاء القنوات الإعلامية الجديدة، ودعم أخرى قائمة تسبح بحمده.

3- رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية: من خلال الوكالات التابعة لها مثل وكالة الشئون الدولية المسئولة عن المستشارين الثقافيين في السفارات الإيرانية في الخارج، والمراكز الثقافية الإيرانية في الخارج، ولهذه الرابطة صلة وثيقة بوزارة الأمن والاستخبارات، وجهاز الاستخبارات في الحرس الثوري، وهذا ما يبدد شكوك مساهمة بعض العاملين في السفارات الإيرانية أو قنصلياتها في أي عمل استخباراتي لصالح النظام الإيراني، ويزيل مظاهر استغراب حدوثه، هذا ومن أهداف هذه الرابطة تصدير الثورة، ودعم الجماعات المتطرفة في الدول الإسلامية وتقديمها كقوة معارضة، واستقطاب الأقليات المسلمة في البلدان غير المسلمة في آسيا وأفريقيا، والمهاجرين المسلمين في الدول الأوروبية.

إذن إذا عرفنا ذلك كله عرفنا أسباب تدخلات إيران وأطماعها في المنطقة. وهذا يقودنا إلى معرفة مظاهر هذا التدخل الإيراني ، فلا شك إن أول ما قامت به إيران في سبيل ذلك هو انتهاج التثوير والتحريض، ثم سعت إلى التخلص من القوى المقيدة لمشروعها التي كانت في أفغانستان والعراق، ثم بدأت في دفع مشروعها بقوة إلى المنطقة من خلال عبور البوابة العراقية. ولا شك أن المحور الأيديولوجي يتمثل في نشر المذهب الشيعي في المنطقة خصوصًا والعالم أجمع لإقامة ما يعرف بالهلال الشيعي، سعيًا للدولة العالمية، ولذلك فإن إيران تعول كثيرًا على أتباع هذا المذهب خارج إيران، ولكي نكون منصفين: المتزمتين منهم خاصة، ومن يتبعهم من العامة الذين لهم تأثير قوي عليهم، وتقويض الشعور الوطني لديهم، وتحويلهم إلى أدوات لصالحها كما حدث في العراق والبحرين. أما ما تهدف إليه إيران من تدخلها في الشئون الداخلية للدول المجاورة وخاصة بعض الدول الخليجية فهو أمر بَيِّن وواضح، فهي تسعى إلى السيطرة على المنطقة وأنظارها على الأماكن المقدسة، ثم أن هناك عقيدة يؤمن بها أصحاب العمائم والملالي وهي ضرورة تهيئة الأرض لخروج من طال انتظارهم لخروجه، وأشد من يتمسك بهذه العقيدة هو رئيس الجمهورية الحالي محمود أحمدي نجاد، فهو يسمي حكومته بحكومة المهدي، ولا تمر مناسبة يحضرها إلا ويرفع دعواته لقائم الزمان بتعجيل الفرج له، حتى وإن كان على منبر هيئة الأمم المتحدة؛ بل ويدعو الحاضرين معه من ممثلي الدول الأخرى للإيمان بهذه العقيدة.

كما أن إيران تعتمد في سياستها في علاقاتها مع الدول الخليجية خاصة على بعدين: قومي ومذهبي، فالقومي يظهر في إصرارها على تسمية الخليج بالفارسي، واحتلال الأحواز، والجزر العربية الثلاث، وترديد مزاعم تبعية البحرين لها بين الفينة والأخرى، كما أنها تجمع بينهما أحيانًا عندما تنظر إيران إلى المملكة العربية السعودية فهي مهبط الوحي، ومنها خرج الإسلام وحطم حضارة فارس التي يتباهى بها الإيرانيون إلى الآن، ويتباكون على سقوطها، ولذلك تجد من يسخر بالعرب ويصفهم بالبداوة والتخلف، وهذا البعد القومي الفارسي، ومنها خرج التوحيد وصار سَدًّا منيعًا لانتشار التشيع في المنطقة، ولذلك يصفونها بالوهابية، وهذا هو البعد المذهبي الصفوي.

ثمة شيء مهم وهو أن هذه التصرفات الإيرانية ليست مستغرَبَة على من علم خبايا سياساتها وخفاياها؛ لكن الخوف هو أن ينخدع البعض بما تقوم به من عمليات مكياج لتحسين صورتها أمام العرب عندما تقدم نفسها بأنها النصير الأوحد لقضايا الأمة، وهي في الخفاء تحيك المؤامرات لتدميرها والتحالف حتى ممن زعمت أنهم من أعدائها وأطلقت عليهم أشنع الأوصاف؛ بل حَدَا بها أن تزعم على لسان رئيسها بإخفاء أحدها من خارطة العالم، وكل ذلك من أجل مصالحها. إن مساهمة قوات درع الجزيرة في البحرين بطلب من حكومتها جاء في الوقت المناسب؛ مما أثر على المشروع الإيراني، وجعله يتقهقر كثيرًا، وهذا في نظري من الإجراءات الاستراتيجية الصائبة في صد المشروع الإيراني في هذا الجانب، وبقي أن تكثف الجهود الدعوية لصد التمدد الإيديولوجي الصفوي؛ وإحباط المؤامرات الإيرانية. وفي ظل ذلك هل من أمل في أن تُعَدِّل إيران من سلوكها وتصرفاتها، وتكف شرها وتدخلاتها؟

أقول هذا ممكن في حالتين: الأولى: أن يعود النظام الإيراني إلى رشده ويعمل إصلاحات في سياساته وعلى رأسها المواد الخاصة بالسياسة الخارجية، وصياغتها على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشئون الداخلية لدول الجوار.

الثانية: زوال نظام الملالي في إيران ورحيله، ومجيء نظام يقود دفته العقلاء من الإيرانيين، ليكون الشعب الإيراني أول المستفيدين من هذا التغيير، ويسود المنطقة الهدوء والسلام.




عدد القراءات‌‌ 180

PM:03:39:10/08/2017