كيف نقرأ الاستفتاء في تركيا ...

كومله- 

يستعد الأتراك للاستفتاء على تعديلات دستورية مثيرة للجدل تحول نظام الحكم في تركيا من البرلماني إلى الرئاسي، ليقف الشارع التركي بين مؤيد ومعارض لتلك التعديلات، وسط نسب متقاربة للقبول والرفض أظهرتها استطلاعات الرأي، ووضع أمني مضطرب، ومآلات متباينة حسب نتيجة الاستفتاء  .

ما هي الخلفية الإجرائية للتعديلات الدستورية؟

في يوم الأحد الموافق 16 أبريل (نيسان) الجاري، يذهب أكثر من 55 مليون ناخب تركي إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم على التعديلات الدستورية، التي يقترح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم العدالة والتنمية، والتي من شأنها أن تحول نظام الحكم في تركيا من البرلماني إلى الرئاسي.

ولا يتوقف حق التصويت على المواطنين الأتراك في الداخل التركي؛ إذ يُضاف عليهم نحو ثلاثة ملايين ناخب تركي بالخارج في 57 دولة حول العالم، أدلوا بأصواتهم في 119 ممثلية دبلوماسية، في نهاية مارس (آذار) الماضي، بنسبة مشاركة بلغت
44.61%، بحسب ما أعلنت وكالة الأناضول الرسمية، التي لفتت إلى أن تلك النسبة شهدت ارتفاعًا بلغ 4.6%، بالمقارنة مع آخر عملية تصويت في الانتخابات البرلمانية التركية، التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وبلغت فيها نسبة المشاركة 40.01%.

وبحسب مسح أجرته شركة «ماك» للاستشارات حول اتجاهات المشاركية في الاستفتاء بالخارج، فإن 62% أيدوا التعديلات الدستورية، فيما رفض التعديلات ، نحو 38% من المصوتين بالخارج.

وتأتي خطوة الاستفتاء الشعبي تلك، بعدما فشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة لتمرير التعديلات الدستورية، بعد حصول التعديلات على موافقة برلمانيًا بلغت 339 صوتًا ، ومعارضة 142 عضو، من أصل 550 نائب بالبرلمان، وهي أغلبية غير كافية لتمرير التعديلات الدستورية، أعقبها موافقة الرئيس عليها، وعرضها للاستفتاء الشعبي، الذي يسمح بتمرير التعديلات؛ إذا ما بلغت نسبة التأييد الشعبي لها نسبة (50%+1).

ما هي التعديلات الدستورية؟

تتضمن التعديلات الدستورية 18 تعديلًا تحول نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي، ومن أبرز ما تضمتنه تلك  التعديلات: إلغاء مجلس الوزراء، وتولي الرئيس السلطة التنفيذية، وقيادة الجيش، ويحق له تعيين نوابه ووزارئه، وإقالتهم، وإذا كان نائب الرئيس عضوًا بالبرلمان تسقط عضويته من البرلمان، ولا تسمح التعديلات للبرلمان بسحب الثقة من مجلس الوزراء.

وتتضمن التعديلات أيضًا إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في نفس اليوم كل خمس سنوات،على أن تكون الانتخابات المقبلة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بعد فترة انتقالية للتحول من النظام البرلماني للرئاسي، ولا يحق لنفس الشخص أن يتولى الرئاسة أكثر من مرتين، كما تتضمن التعديلات عدم قطع الرئيس صلته بحزبه، وبذلك فإن تلك التعديلات تسمح لأردوغان بالاستمرار في الحكم حتى عام 2029، إذا ما فاز في انتخابات الرئاسة في عامي 2019 و 2024، مع الاحتفاظ بحزبيته.

كما تضمنت التعديلات رفع عدد أعضاء البرلمان من 550 إلى 600، وخفض سن الترشح في الانتخابات العامة من 25 سنة إلى 18 سنة، وإلغاء المحاكم العسكرية، وحظر إنشاء المحاكم العسكرية في البلاد باستثناء «المحاكم التأديبية» ويحق للرئيس تعيين أربعة قضاة (بعد انتخابات داخلية بينهم) من بين 13 قاضيًا في أعلى هيئة قضائية للدولة، كما تضم الهيئة أيضًا وزير العدل ونائبه المعينين من الرئيس، وبذلك يكون إجمالي القضاة المعينين من الرئيس فعليًا ست قضاة من بين 13 ويشارك البرلمان في اختيار البقية.

وحول صلاحيات البرلمان الرقابية المدرجة في التعديلات، فإن للبرلمان الحق في استخدام صلاحيته في الرقابة والتفتيش والحصول على معلومات عبر «تقصي برلماني»، أو«اجتماع عام»، أو«تحقيق برلماني»، أو«سؤال خطي» دون استخدام الاستجواب الشفهي لأحد الوزراء أو الحصول على صلاحية إعطاء الثقة للحكومة أو سحبها منها.

ويحق للبرلمان بحسب التعديلات «طلب فتح تحقيق بحق رئيس الدولة ونوابه والوزراء، ولا يحق للرئيس في هذه الحالة الدعوة إلى انتخابات عامة»، ويحق للبرلمان أيضًا محاكمة الرئيس أو الوزير «لأي سبب» باقتراح ما نسبته (50%+1) من أعضاء البرلمان، وموافقة ثلثي أعضائه على تقديمه للمحكمة العليا، وبدون التعديلات تلك كانت تقتصر إمكانية محاسبة الرئيس على تهمة «الخيانة العظمى " باقتراح ثلث أعضاء البرلمان وموافقة ثلاثة أرباع أعضائه لمحاكمته أمام المحكمة العليا".

وتتضمن التعديلات منح البرلمان الحق في الدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة بموافقة 60% من أعضائه، وإذا جرت تلك الانتخابات المبكرة، فإن البرلمان القائم سيُحل ، ويكون الرئيس مهددًا بالإطاحة من منصبه إذا ما خسر في الانتخابات؛ ليفقد بذلك إحدى الفترتين الرئاسيتين المتاحتين له دستوريًا، وبدوره يحق للرئيس أيضًا إطلاق نفس الدعوة.

من يؤيد التعديلات الدستورية؟ ولماذا؟

بطبيعة الحال يؤيد «حزب العدالة والتنمية» التعديلات الدستورية، ويمتلك الحزب أكثرية في البرلمان، بنسبة 49.48% بعدد أعضاء يبلغ 317 عضو من أصل 550 عضو في البرلمان التركي، وينضم إلى الأغلبية البرلمانية التي أيدت التعديلات عدد من القوميين الأتراك من «حزب الحركة القومية» الذي يمتلك نسبة برلمانية تبغ 11.9% بعدد مقاعد يبلغ 59.

ويرى مؤيدو التعديلات أنها ستجعل تركيا بلدًا «قوية» تتمكن فيه السلطة التنفيذية من خلال الصلاحيات الممنوحة للرئيس من دعم التنمية الاقتصادية ومحاربة إرهاب «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، و«حزب العمال الكردستاني»، ذلك بالإضافة إلى مواجهة مخاطر أوقات الاضطرابات، مثل محاولة الانقلاب الفاشلة.

وينتقد مؤيدو التعديلات أيضًا «فوضى» الحكومات الائتلافية وفشلها خلال العقود الماضية، وبالأخص في فترتي السبعينات والتسعينات من القرن الماضي، مع صعوبة تكوين حكومة الحزب الواحد، فخلال 93 عامًا من تاريخ الجمهورية التركية، تكونت 65 حكومة بمتوسط 17 شهر للحكومة الواحدة.

ويرى المؤيدون بحسب تقرير لصحيفة «الجارديان» البريطانية « أنَّ التغيير ضروري للخروج من عباءة دستورٍ عتيق كُتبت  مسوّدته تحت حُكمٍ عسكري، أنتج جهازًا تنفيذيًا، له رئيسان، بسلطات وصلاحيات متضاربة يمكن أن تسبب شللًا لعملية اتخاذ القرارت داخل الحكومة.»، ويرى المؤيدون أيضًا أن التعديلات تنتج نظامًا متوازنًا يسمح بمحاكمة الرئيس أو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة؛ مما يحول دون تركّز كل السلطات في يد شخص واحد من وجهة نظرهم.

ويرى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، القيادي بحزب العدالة والتنمية، أن تأييد التعديلات الدستورية «سيؤدي إلى تحقيق الاستقرار والقضاء على الإرهاب وتجنب الأزمات السياسية» وسيجعل تركيا قوية.

وفي السياق ذاته، أكد دولت بهتشلي، زعيم «حزب الحركة القومية» المعارض، أن الحزب سيدعم التعديلات؛ لاقتناعه بأن النظام الرئاسي هو الأفضل، «من أجل مصلحة البلد وبقائها وقوميتها» ، ولوّح بهتشلي، الجمعة الماضية، بسحب دعمه للتعديلات؛ إذا ما كانت تستهدف تطبيق النظام الفيدرالي في تركيا؛ مما دفع أردوغان ويلدريم  لنفي تلك الفكرة تمامًا، مؤكدين أن التعديلات لن ينتج عنها نظام فيدرالي، ولا تشمل أية مادة تفيد بذلك، وذهب يلدريم إلى ما هو أبعد عندما قال إنه «سيستقيل» إذا كانت التعديلات تفضي لنظام فيدرالي، ليؤكد نفيه تلك الفكرة.

من يعارض التعديلات الدستورية؟ ولماذا؟

من ناحية أخرى، يعارض التعديلات الدستورية، «حزب الشعب الجمهوري المعارض»، ثاني أقوى حزب في تركيا، وله 134 نائب بالبرلمان التركي، بنسبة 25.31% من البرلمان، ذلك بالإضافة إلى «حزب الشعوب الديموقراطي الكردي»، والذي حصل على 40 مقعدًا في البرلمان بنسبة بلغت 10.75%، وبجانب هذين الحزبين، يعارض التعديلات جماعات يسارية وبعض الأقليات، ويضاف إلى المعارضة الداخلية تلك، المعارضة الغربية للتعديلات، والتي ظهرت بوضوح مع عرقلة الترويج لحملات تأييد التعديلات للجاليات التركية في عدد من الدول الغربية، بالأخص ألمانيا وهولندا، التي دفعت أردوغان إلى اتهامها بـ ":النازية

ويرى المعارضون أن تلك التعديلات، ستعرقل الديمقراطية التركية، وترسخ لنظام حكم الفرد الواحد؛ بتوسيعها لصلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية، ونزعها لسلطة البرلمان في الإشراف على السلطة التنفيذية، وسماحها بمشاركة الرئيس في تعيين القضاة، واحتفاظه بعضويته الحزبية، من وجهة نظر معارضي التعديلات.

وفي هذا الصدد، يقول بولنت تيزكان البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري، وأحد أعضاء اللجنة الدستورية: إن «النظام الديمقراطي في تركيا سيزول، ويحل محله نظام الرجل الواحد»، موضحًا «أنَّها (أي التعديلات) تضع كافة السلطات، بما فيها السلطات التنفيذية والقضائية، في يد الرئيس، وستكون الفروع الثلاثة للحكومة في يد شخصٍ واحد».

وبكلمات تحمل نفس المعنى، قال عثمان باي دمير المتحدث باسم حزب الشعوب الديمقراطي: إن «أردوغان يسعى (من  خلال التعديلات) إلى إقامة نظام ديكتاتوري استبدادي فاشي»، مضيفًا « أردوغان لم يكتفِ بسيطرته على الجيش والأمن والقضاء والإعلام، بل يستمر في سياساته الاستبدادية لإحكام سيطرته على ما تبقى من مؤسسات الدولة التركية؛ حتى يتسنى له فرض سياساته الإرهابية في الداخل والخارج».

ماذا بعد الاستفتاء؟

سيؤدي الاستفتاء إلى تبعات ومآلات مختلفة بحسب نتائج التصويت عليه، فإذا كانت نتيجة الاستفتاء نعم، سيُطبق أكثر  من تعديل بشكل فوري، وهما إجراء انتخابات هيئة القضاة والمدعين خلال شهر من إعلان النتائج، والمادة التي تسمح لأردوغان بالحفاظ على عضويته في حزب العدالة والتنمية، فيما تنتظر التطبيق الفعلي لبقية التعديلات خلال الفترة الانتقالية التي تنتهي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، يحدث خلالها «المواءمة» لتحويل نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي.

ويمكن أن يؤدي قبول التعديلات إلى ردود أفعال تصعيدية من الداخل والخارج، فخارجيًا يمكن أن يطيح ذلك بآمال تركيا بالدخول في الاتحاد الأوروبي، مع الإشارة إلى تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ، التي قالت فيها: إن ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأروروبي «سيُبت فيه بعد الاستفتاء»، وداخليًا قد يحدث تصعيد من المعارضة، مع الإشارة إلى تصريح كمال أوجلو زعيم الشعب الجمهوري، أكبر حزب معارض، قال فيه: إن «النظام الرئاسي لن يقر في تركيا، إلا بإراقة الدماء»، أو من الممكن أن تطيح تلك النتيجة برئاسة أوجلو من الحزب؛ لفشله في الحشد لرفض التعديلات.

وفي المقابل، ينتج عن رفض التعديلات استمرار الرئيس والحكومة والبرلمان بقوة القانون في الحكم حتى انتهاء ولايتهم في 2019، وقد يحاول أردوغان وحزبه الحاكم تعديل بعض المواد المعدلة بما يتناسب مع بعض رغبات المعارضة لخلق نوع من التوافق حيالها، أو دعوة أردوغان لانتخابات برلمانية مبكرة؛ أملًا في الحصول على أغلبية برلمانية أكبر تمكنه من تمرير تعديلاته.

ومن ناحية أخرى قد تُقلب الطاولة على أردوغان وحزبه، وتبدأ المعارضة في التشكيك بشرعيتهم والدعوة لانتخابات مبكرة؛ على اعتبار أن رفض تلك التعديلات يمثل رفضًا ضمنيًا أيضًا لشرعية أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم، قد تدفع أردوغان ويلدريم للاستقالة، مثلما فعل رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي،
عندما استقال بعدما رفض الإيطاليون تعديلات دستورية اقترحها لتقليص صلاحيات مجلس الشيوخ لتسهيل اتخاذ القرارات التنفيذية، ولكن أردوغان لم يتعهد بخطوة كتلك إذا ما رفض الأتراك التعديلات الدستورية.

 




عدد القراءات‌‌ 733

PM:07:40:16/04/2017